محاسن البابا

من عالم الإدارة المالية والسالسا الرومانسية إلى الدرجات النارية

في أيار 2015 نظّم النادي اللبناني للدراجات النارية مؤتمراً لتشجيع النساء على دخول عالم الدراجات النارية برعاية شركة "برو بايكرز" إستضاف فيه الفنلندية نيتا كورهونين ومجموعة من السائقات اللبنانيات الراغبات في تطوير هذا القطاع. ك

ان من بين الحضور بعض السيدات اللواتي لا يقدن الدراجات ولكنهن أبدين رغبة وحماسة حول ذلك.
يومها تعرّفت إلى محاسن البابا، إذ لفتتني حماستها البادية من أسئلتها خلال المؤتمر وتعبيرها عن رغبتها بتعلم القيادة وإقتناء دراجة جديدة. لم تفاجئني تلك الحماسة، فعدد سائقات الدراجات النارية في لبنان قد تضاعف عدة مرات في السنوات الثلاث الأخيرة ليزداد من قلّة قليلة إلى عدة مئات. ما فاجأني هو رغبة فتاة برقتها ونعومتها ومحافظة بطبعها دخول هذا العالم الصاخب والذي لازال يُنظر إليه في لبنان أنه عالم الذكور المزعجين.


لكن المفاجأة لم تدم طويلاً.
فعلى الرغم من مظهرها الحالم ولطفها الشديد وواقع أنها تعمل مديرة مالية في إحدى الشركات الأمنية حيث تهيمن رتابة الأرقام والجداول، إلا أن محاسن سليلة نسب أصيل في عالم الدراجات النارية. فخالها عصمت إدريس كان من كبار السائقين في القرن الماضي وتجار الدراجات النارية في صيدا وكنت تعرفت إليه في صغري وتعلمت منه الكثير، ونسيبها زكي الكردي الرياضي البارز وسائق وتاجر الدراجات وهو من أعلام هذا القطاع في بيروت.


تعلقت محاسن بالدراجات النارية منذ كانت في الثالثة عشر، ولكن ما أن بلغت الخامسة والثلاثين حتى أخذت قرارً بتعلم القيادة وشراء دراجة نارية خاصة بها. أرادت أن تمارس حريتها الشخصية وأن لا تكون أسيرة أحد كلما شعرت برغبة الإنطلاق على الطرقات أو الوصول إلى قمم الجبال حيث الهدوء بعيداً عن ضوضاء المدينة.


إختارت محاسن دراجتها الأولى بعناية فكوازاكي نينجا 300 طراز 2015 هي في الواقع إنعكاس لشخصيتها وإمتداد لطبعها، فهي دراجة ذات تصميم إنسيابي أنيق ومواصفات تعكس فكراً هندسياً متألقاً، تتميّز بالنعومة والقوة في آن معاً وقادرة على التأقلم مع كافة الطرقات سواء في إزدحام المدينة أو على الطرقات السريعة أو على المنعطفات الجبلية الصعبة. والأهم من هذا أنها دراجة لا تحتاج للكثير من العناية بفضل الهندسة اليابانية المعروفة بدقتها ومتانتها.


وككل إمرأة تقود دراجة نارية، لم تخف محاسن أن الدراجة النارية تمنحها شعوراً رائعاً بالحرية والثقة بالنفس وبالقدرة على إختيار الطريق الذي تشاء لتنطلق في مغامرة جديدة وحيدة أو برفقة أصدقائها كل عطلة نهاية أسبوع أو عند شعورها بالإختناق في روتين العمل وضغط الحياة في المدينة.


غير أن محاسن ترى في الدراجة ما قد لا يراه كثيرون. فهذه المديرة من عالم الأرقام والمالية هي في الواقع إمرأة رومانسية ومن عاشقي رقصة السالسا اللاتينية وقد أقرّت بأنها ترى قيادة الدراجة إمتداداً لهذا الفن وتعبيراً عن الرومانسية في حياة الإنسان.


هذه النظرة الرومانسية لم تُنس محاسن ضرورة الحذر على طرقات لبنان، فهي لا تكتفي بإرتداء كامل عتاد الحماية للسائق أثناء القيادة في جميع الظروف، بدءاً من الخوذة الوردية الأنيقة وإنتهاءً بالحذاء المخصص للقيادة، بل إنها تقوم بكشف ميكانيكي كامل على دراجتها يتضمّن فحص الزيت والفرامل وأداء المحرك ومستوى ضغط الهواء في الإطارات بشكل دوري، وهي تصر على ضرورة الإهتمام بصيانة الدراجة فتقول، "أي إمرأة تستطيع قيادة الدراجة والتمتع بها، ولكن عليها أيضاً أن تحمي نفسها وحريتها من خلال التقيّد بشروط الحماية وقوانين السير ومن خلال الإهتمام بأداء الدراجة بشكل منتظم."


تضحك محاسن عند سؤالها عن رغبة النساء في لبنان بقيادة الدراجات النارية وتجيب بكل ثقة: "إننا قادمات، فالدراجة النارية هي أفضل وسيلة للمرأة اللبنانية للتعبير عن ذاتها. كل ما يتطلبه الأمر بعض الجرأة والكثير من التركيز وتجنب الإندفاع. وأنا أنصح كل فتاة بأن تسعى لتعلم قيادة الدراجة النارية منذ صغرها فالكثيرات لا يعرفن بأن الدراجة النارية مناسبة للمرأة إذ تمنحها القوة وتعزّز من عزيمتها."


إنتهت المقابلة وإنطلقت محاسن. لم أسألها عن وجتها ولكن البريق في عينيها الفرحتين كان معبّراً فهي على موعد مع النسيم العليل على طول الطرقات الخلابة التي تعانق قمم الجبال.

 

شاركنا رأيك